الإنْســــان الشاعر حسن منصور

0
53

رجَعْـتُ إلى نَفْسي بنَظْـرَةِ حــاذِقِ|| وما غابَ عن عيْنِي شُهودُ حَقائِقي
وَعُدْتُ إلى الماضي أُقَلِّبُ ما جَرى|| أُراجِــعُ سـاعــاتي بــه وَدَقــائِـقي
تَـمُـــرُّ بِيَ الأيّـامُ عَـجْــلَى بَعــيدةً || مُــرورَ سحـابٍ أو سَـرابٍ مُفـارِقِ
فَـرُبَّ بُروقٍ خُــلَّـبٍ في سَـمـائِهـا || ورُبّ غُـيوثٍ قد هَـمَتْ دونَ بارِق
وكمْ مِنْ سَرابٍ كانَ وَهْـماً مِياهُـهُ || وكَـمْ مــنْ مِــياهٍ دونَ آلٍ مُــرافِــق
كــذا فَحَــياةُ المَــرْءِ تَفْـجَـأُ رَبَّـهــا || وَتَجْـعَــلُـهُ مِنْ عـقْـلِـهِ غــيْرَ واثِـق
فــيَوْماً بِهـا صــابٌ كَــريهٌ مَـذاقُـهُ || ويَـوْمـاً بِشَـهْـدٍ سائِغِ الطَّعْــمِ رائِق
يُعـالِجُــهـا يَوْماً بِحِـكْـمَــةِ عــاقِــلٍ || وَيُـفْـسِدُهـا يَـوْمـاً بِـلــَوْثَـةِ مــائِــق
وَيَوْمـاً يكونُ السَّـيْرُ سَهْـلاً مُـواتِياً ||ويَوْمـاً تُعـيقُ السَّـيْـرَ كلُّ العَــوائِـق
ويَـوْمــاً يَضيعُ الكَـدُّ دونَ نَتـيجَــةٍ || ويَوْمـاً يكـونُ الحَــظُّ أوَّلَ طـــارِق
ويوْمـاً يَرى خَــيْرَ الرِّفـاقِ مُعادِياً || ويوْماً يكونُ الخَصْمُ أصْدَقَ صادِق
********
أعـــودُ إلى نفْـسي لِأَفْـهَـمَ مـا أنا || مَـلاكٌ أنـا أمْ إنَّـني طَـيْــفُ مـــارِق
يَشـِفُّ ويَعْـلـو في السّماءِ تَسامِـياً || وَيَلْـبَـسُ أحْــياناً ثِـيـابَ مُــنـافِـــــق
وَيَـبْـطِـشُ جَــبّاراً بـدونِ تَعَــقُّــلٍ || ويُبــْدي حَـنانـاً في دُمــوعٍ دَوافِــق
عَنيفٌ كوَحْشٍ فاقِدِ الحِسِّ هاجِماً || لطـيـفٌ كأنْـسامِ الصّـباحِ المُـعــانِق
بِداخِــلِهِ النّـيـرانُ يَغْـــلي أُوارُهـا|| كَـبُرْكـانِ نارٍ زافِــرِ الـنّارِ شـاهِــق
بِداخِــلِـهِ تَجْــري جَـــداوِلُ رِقَّــةٍ || وبَــرْدٍ وأمْــنٍ فـي رُبىً وحَــدائِــق
عَجـبْتُ لنَفْسي إذْ يُنازِعُها الهَوى||وتـخْــضعُ قَـسْراً عـــنـدَ أوّلِ بــارِق
عَجِبْتُ لعَـقْلي كيفَ يَنْهَضُ ثائِراً || وصَحْـوِ ضَميري وَانْتِصارِ خَلائِقي
فـتأخُــذُني في عُـنْفُــوانٍ وعِــزَّةٍ || وتَـرْفَــعُــني عــنْ كُلِّ شَـرٍّ وَبـائِـق
كــذا، فَــأنا الإنسانُ أكبَرُ مِحْـنَتي || تَقـاطُـعُ نيـرانٍ وَثَــلْـجٍ بِخـافـــِقــي
أُحِــسُّ بِـأَنّي عـالَــمٌ صاخِــبٌ أنا || وَفـيهِ ضَـياعي بينَ مـاضٍ ولاحِـق
وبَيْنَ يَمينٍ أقْــدَمَـتْ في شَجـاعَـةٍ || وبينَ شِمـالٍ أحْجَـمَـتْ دونَ عـائِـق
أُخاطِبُ نفسي ساخِراً مِنْ جُنونِها || إِلامَ عـلى هـذا الطَّــريقِ المُساوِق؟
إليَّ فَــثـوبي لا تَـكــوني عَـنـيـدَةً || وَلا تهْـجُري يَوْمـاً ظِلالَ سُـرادِقي
شَكَمْـتُـكِ دَوْماً بالحِجى دونَ غيْرِه|| وبالحَـقِّ والإيمانِ، والحَزْمُ سائِقي
********
أَعــودُ إلى الإنسانِ داخلَ مُهْـجَتي || وأحْتارُ فــيه كيفَ عاشَ مُرافِـقي
وكيفَ اسْـتَقـرَّتْ واسْتمَرَّتْ حَياتُهُ || وكيْفَ نَجا بينَ الحَيا والصَّواعِــق
وأضْـحَــكُ مسْــروراً بـذلــكَ كـلِّهِ || وإنْ كانتِ الـدُّنْيا تَـسُدُّ طَـــرائِــقي
وإنْ كنْتُ أَشْكو مِنْ سَفاهَةِ أهْلِهــا || وإنْ كنتُ أَحْيا في ضِرامِ الحَرائِق
ولكِنَّــني أَسْعى لِصَــوْنِ كَرامَــتي || بِعَـيْشٍ كريمٍ وافِـــرِ الـــوُدِّ لائــِق
أُخاطِبُ إِنْساني الذي عاشَ داخِلي:|| أراكَ بِعَـــزْمٍ مُـسْـتَجِــدٍّ وَدافِـــــق
فَــيا لـكَ مَـخْــلـوقـاً يُكابِـدُ صـابِراً || وَيــوقِــــنُ أنَّ الـلّـهَ أكْـــرَمُ رازِق.
أُحـاوِلُ فَهْـماً للَّـذي في سَريــرَتي ||وَما كانَ حَـوْلي مِنْ أُمـورٍ خَـوارِق
كلا العالَمَيْنِ اسْتَعْصَما في وُجوهِنا||فَما حيلَةُ العَـقْلِ الضّعـيفِ المُراهِق
أنا في حِمى رَبّي سَأمْضي مُسافِراً|| بِعَقلٍ وقَلبٍ في حِمى الوَجْدِ غارِق
رَضيـتُ بِهِ رَبّـاً رَضيتُ بِحُـكْـمِـهِ || فَـفي يَدِهِ عُـمْـري وَعَـقلي وَخافِـقي
وإنّـي لـهُ عَـــبْــدٌ ذلــيـلٌ وَطَـــيِّـعٌ || أُسَـلِّمُ أمْــري راضِياً غــيرَ حــانِـق
وما كـنتُ أرْضَى أنْ أَكونَ مُعَـبَّداً || ولكنَّ عِـزّي في الخُـضوعِ لِخالِـقي
أنـا في حِـمـاهُ أيْـنَـما كـنـتُ آبِـقـــاً || وَهَلْ كانَ يُـنْجـيـني تَمَـــرُّدُ آبِــق؟!
***************************************************
الشاعر حسن منصور
[من المجموعة الثانية عشرة، ديوان (عندما تنكسر الدائرة) ]

NO COMMENTS