الشاعر الإسباني ديونيسو كانياس:الشعر بكل مكان حتى في النفايات

0
168

ما بين التفكير بلغة والتحدث بلغة أخرى، وما بين الحياة في مكان والجذور في مكان آخر، وتحت وطأة الحنين والشعور بالغربة، ولدت شعرية كانياس. وهو بذلك أحد أبرز شعراء المهجر الإسباني، وأكثرهم تجديدًا وتحررًا من القوالب الثابتة، واستخدامًا للتكنولوجيا الحديثة.

 

في مقاطعة “لا مانتشا”، التي تدور فيها أحداث رواية “دون كيخوته” الشهيرة، ولد الشاعر الإسباني المجدد، ديونيسيو كانياس ،في قرية “توميوسو” عام 1949، أي بعد حدثين هامين في المخيلة الإسبانية: الحرب الأهلية وما تبعها من حكم الجنرال فرانكو العسكري، والحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من أنه لا يشير إلى أسباب هجرة أبويه، إلا أنه كان في العاشرة حين قرر المزارعان، عام 59، هجر الأرض والقرية الصغيرة لتبدأ العائلة مع صغيرها حياة جديدة قاسية في فرنسا. وقبل أن تمر عشر سنوات أخرى، كان الأب قد ودّع العالم.

     ما بين التفكير بلغة والتحدث بلغة أخرى، وما بين الحياة في مكان والجذور في مكان آخر، وتحت وطأة الحنين والشعور بالغربة، ولدت شعرية كانياس. هو بذلك أحد أبرز شعراء المهجر الإسباني، وأكثرهم تجديدًا وتحررًا من القوالب الثابتة، واستخدامًا للتكنولوجيا الحديثة. ومن ناحية أخرى أكثرهم حرية في التعبير في ظل الحكم الفرانكوي، إذ لم تخضع أعماله، لظروف الهجرة، لمقص الرقيب ولا لتهديد الزنزانة. والآن، بعد سنوات من الحياة في فرنسا تلتها سنوات العمل كبروفيسور في جامعات الولايات المتحدة، عاد إلى قريته، غير مشغول بشيء إلا الشعر، وعبره يتواصل مع العالم. غير أنه لا يتواصل فقط عبر كتبه، بل بالنزول إلى الشارع والمشاركة في مهرجاناته، مما أدى به إلى التفكير في استخلاص الشعر حتى من القمامة، وأن يكون الشعر عملًا تشاركيًا يساهم فيه الجميع بقدر.

 تجربة كانياس الملفتة في تجديد لغة الشعر عبر تجديد مضامينه لفتت الكثير من النقاد والقراء، دافعه الأصلي كان أن الشعر لا يجب أن يموت، وأن وسائل التواصل الجديدة ينبغي أن تخضع لخدمة الشعر.

ارتحال مبكر

يحكي كانياس عن بداياته الأولى، عن ذكرى تبدو بعيدة غير أنها شديدة القرب من وجدانه: “في الستينيات من القرن الماضي، نزحت عائلتي ذات الأصول الريفية إلى شمال فرنسا. كنت حينها في العاشرة، فباتت اللغة الفرنسية لغتي الثانية، فيما بقيت الإسبانية لغة وجداني، اللغة التي نستخدمها في البيت، لغة ذكريات طفولتي. كنت أقرأ حينئذ الفلسفة والشعر بالذات بالفرنسية. وفي العشرين مات أبي، وتصادف أن تعرفت على ناقد الشعر الإسباني، خوسيه أوليبيو خيمينث (كوبي متجنس بالأميركية) فصار بوصلتي، وبفضله استعدت لغتي الأم، الإسبانية، عبر الشعر. وفي عامي الواحد والعشرين هاجرت إلى نيويورك، وهناك بدأت في كتابة قصائدي الأولى في نفس الوقت الذي كنت أستعيد فيه أصولي. أو أنا أصبحت شاعرًا في تلك المدينة”.

في الفراغ، رجل ألقى بنفسه.

العدم غدا ماضيه،

وهذا السقوط الطويل،

هذا الهبوط الرائق نحو الموت، بات حاضره.

في الهواء كل شيء تعلق،

مثل رنين أغنية بلا كلمات.

الشعر والهجرة

     قضى ديونيسيو كانياس، إذن، سنوات طفولته ومراهقته، وسنوات شبابه، مهاجرًا. من فرنسا إلى الولايات المتحدة، حيث أعد رسالة الدكتوراه وعمل بروفيسورًا في جامعة مدينة نيويورك، وكان يلازمه الشعور بالغربة، الحنين إلى الجذور. يقول عن الهجرة: “أفكر أن الهجرة تتحول إلى تراجيديا دائمًا حين لا تكون إرادية، بمعنى، حين يضطر الفرد لترك بلده والبحث في بلد آخر عن الحياة وكسب العيش. أما أن تهاجر لتتعرف على ثقافات أخرى وأساليب حياة مختلفة وفهم علاقات اجتماعية ومشاهدة مناظر طبيعية وريفية، فالأمر مختلف. حينها تكون الهجرة مفيدة للشعر. لكن بوسع الواحد منا اليوم أن يسافر دون الخروج من بيته، عبر الكتب وعبر الإنترنت. ثمة شعراء دون الخروج من بيتهم يكتبون شعرًا عالميًا ومعاصرًا، وثمة شعراء آخرون يحتاجون إلى السفر ليستطيعوا الكتابة. أظن أن النموذجي عمل مصاهرة بين السفر الجسدي والذهني. بالنسبة لي، كان السفر للدول العربية رئيسيًا في هذه الجزئية، إذ إنه منحني رؤى جديدة للعالم، كما كان رئيسيًا قراءة الشعر العربي في بيتي، كذلك الإطلاع على الفكر الصوفي وربط كل ذلك بجذوري العربية في إسبانيا. الأهم ألا يتكلس الشاعر رغم سنه، وأن يبحث عن تحديات ثقافية وجمالية وحياتية جديدة بينما يقاوم الجسد والذهن تقدم العمر”.

الهاتف المحمول يواصل الرنين، والرجل يتهاوى.

عاجزًا يستمع

لمكالمة الحياة الصماء.

ثم يواصل السقوط برقة نحو الموت.

الشعر وفرانكو

 لم يمر كانياس بما مر به زملاؤه من شعراء جيل السبعينيات من قمع لحرية التعبير بسبب ظروف الهجرة المبكرة، إذ وجد في فرنسا الحرية كاملة. “وحين عدت إلى إسبانيا، في أواخر حكم فرانكو، كنت أشعر بأني غريب لنقص الحريات من كل نوع. بعدها كان ارتحالي إلى نيويورك وكانت استعادتي من جديد لحرية التعبير عن نفسي، وحينئذ تعرفت هناك على مجموعة من الشعراء الإسبان المناهضين لفرانكو”.

 لكن بعيدًا عن فترة الديكتاتورية، يقول كانياس عن القصيدة الإسبانية إنها “متنوعة، ولا يمكن الحديث عن اتجاه مهيمن على الاتجاهات الأخرى. ثمة شعراء تقوم تجربتهم على المجاز، فيما تقوم تجربة آخرين على الشعرية الوصفية الملتصقة بالأحداث اليومية، شعرية واقعية تمامًا. لكن الحقيقة أن شعراء التفاصيل اليومية هم الأكثر قربًا للنجاح لأن قصيدتهم هي الأسهل في التلقي”.

 تراجع الاهتمام بالشعر لا يعني موته، بحسب كانياس الذي يوضّح: “أعتقد أن الشعر يتحول، يكيف نفسه على كل زمن. ثمة شعر كثير في الأغنيات، في الراب، في الفن، بل حتى في الإعلانات هناك عبارات شديدة الشعرية، كذلك في السينما وفي الفيديو”.

  يرى الشاعر الإسباني أن “الشعر باللغة الإسبانية شديد الثراء، وأشير للغة لأن بلدان أميركا اللاتينية تقدم ثراء حقيقيًا لشعرنا. وأعتقد أنه لا يمكن الحديث عن شعر واحد ومتشابه في كل العالم الإسباني. المؤكد أن الشعرية التخييلية والشعرية اليومية قد أدخلتا للغتهما الواقع الحالي، كما أدخلتا أشكالًا جديدة ومتكآت جديدة ما منح الشعر دفعة قوية. من هذه الأشكال والمتكآت (شعر الفيديو)، الأداءات الفنية الشعرية، والشعر الإلكتروني الذي لم ينتشر إلى الآن غير أن الشعراء الشبان يمارسونه. كذلك لا يمكن أن نتجاهل إلقاء الشعر على جمهور مباشرة، وهو أداء منتشر جدًا بين الشعراء وخاصة الأصغر سنًا”.

رجل يتساقط

صوب سهل إسمنتي

 آلاف البشر يهربون منه

مثلما تهرب النيازك

وتودّع عالمًا مضطرمًا،

عالمًا قاتمًا اختبأ فيه الرب

خجلًا من مخلوقاته.

“قصيدة لا أحد الكبيرة”

 ابتدع كانياس ما سمّاه بـ “قصيدة لا أحد الكبيرة” وهي ورشة وفعل شعري، تكمن في اجتماع مجموعة من الأفراد من كل الأعمار تخرج إلى الشارع لجمع الكلمات المنثورة في القمامة، في اللافتات، في الفترينات أو في أي شيء تراه، ثم تعمل المجموعة في ما بينها على إعادة كتابة الكلمات على كارتون أو ورقة كبيرة، أو علم، في شكل قصيدة جماعية وتشاركية. هذه طريقة للاستدلال على أن الشعر يوجد في القمامة أيضًا وليس فقط في المعاجم والكتب.

صوب السماء يرفع عينيه،

فلا يعثر على جواب محتمل.

كل شيء كان صفاء مذهلًا

فلا يسمع إلا صرير هواء يلامس بشرته فحسب.

كانياس، العرب وترامب

في السنوات الأخيرة بدأ كانياس في تعلم اللغة العربية، يقول عن هذه التجربة: “زرت مصر في عام 2010 لمدة شهر وبدأت هناك في دراسة اللغة العربية.  فكرة تعلم العربية جاءت من ضجري بالثقافة الأوروأميركية وحاجتي إلى تحدٍّ شخصي وشعري جديد. لم تكن المسألة تعلُّم العربية فحسب، بل أيضًا التعرف عن قرب على الثقافة الإسلامية والماضي العربي لإسبانيا والحاضر في العالم العربي، خاصة الدول العربية المتوسطية وهي جيراننا المباشرون، كما أن ثقافتها وتاريخها على صلة وثيقة بالتاريخ والثقافة الإسبانية”.

 كان كانياس أحد أكثر الكُتّاب المهتمين والمتابعين للربيع العربي، يقول:”كان مفاجأة كبيرة وفكرت أن الديمقراطية ستقام في كل البلدان المطلة على البحر المتوسط، لكني سريعًا ما اكتشفت أن الربيع العربي الذي أثار عاطفتي كان مآله الفشل، لسوء الحظ. أعتقد جزئيًا لأن الغرب يعتقد أن الديمقراطية يجب أن تكون كما نريدها نحن، لكن الأمر ليس كذلك، فربما تختلف الديمقراطية باختلاف تاريخ كل بلد وسياقاته وعاداته. العالم العربي ينبغي أن يخلق صورة الديمقراطية الخاصة به، حيث يتجاور الدين والتقاليد مع التقدم والتحديث الاجتماعي والثقافي”.

كمحب للعرب وللثقافة العربية، شعر كانياس بانزعاج من تصريحات دونالد ترامب حول منع مواطنين من بعض الدول العربية الدخول إلى الولايات المتحدة. علّق على ذلك بقوله: “ترامب تهديد لسلام العالم بأسره. سياسة منع مواطني دول عربية شيء عبثي، إذ يفترض بذلك أن (الشر) يقع خارج حدود الولايات المتحدة، بينما الشر في الحقيقة يقع في بلده ذاته. في كل بلدان العالم ثمة أشرار وطيبون، وهذا بديهي”.

“كم الساعة؟ أين يمكن أن يكون أبنائي؟”

الرجل لا يرتاب في أن أسئلته

تنطلق من الضفة الأخرى للزمن،

ضفة أخرى سيفتح فيها عينيه ويرى فراغًا،

فراغًا مثل الفراغ النائم في قلبه الآن.

*المقاطع الشعرية هي قصيدة “الضفة الأخرى للزمن” لـ ديونيسيو كانيا

– See more at: https://www.alaraby.co.uk/diffah/interviews/2017/2/20/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%B3%D9%88-%D9%83%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1-%D8%A8%D9%83%D9%84-%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%AD%D8%AA%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D8%A7%D9%85%D8%A9#sthash.Og7AfCNC.rGkTu0Eu.dpuf

NO COMMENTS