ضربة معلم بقلم على الشافعي

0
318

( ضربة معلم ) مثل يضرب لمن عرف كيف يصيب الهدف من اول ضربة . واصل الحكاية ـــ يا دام عزكم ــ أن احد العاملين في صناعة النواعير( دواليب ضخمة تنقل الماء من النهر للساقية ) لديه فتى يتعلم فن الصنعة . بعد فترة وجيزة من عمله أراد أن يصنع ناعورة بمفرده دون مساعدة معلمه , فاستأذنه ووافق . بدأ الفتى العمل وصنع ناعورة غاية في الدقة والاتقان , لكنه لم ينجح في تشغيلها , فسأل معلمه عن السبب , فألقى المعلم نظرة ثم تناول مطرقة , وعمد الى الوتد الذي كان يثبّت الناعورة فضربه ضربة واحدة فانكسر , ودارت الناعورة بشكل رائع , فاشتهرت المقولة : (ضربة المعلم بألف) . ذكرني هذا المثل بضربة معلم وقعت على صدغ محدثكم , كان لها اكبر الاثر في تغيير مجرى حياته كلها . متى واين وكيف ؟ فسأحدثكم , لكن بعد ان تصلّوا على خير الانام :
الزمان عشية وصباح الاول من ايلول عام الف وتسعمائة وتسعة وخمسين . المكان عزبة من العزب المنتشرة في منطقة رعوية في اقصى شمال الضفة الفلسطينية , تبعد عن اقرب قرية حوالي 6كم , منطقة رعوية بامتياز , واسعة شاسعة , خالية الا من بعض شجيرات السريس والزرد والبطم والاعشاب الرعوية , تصلح لمربي الماشية امثلنا . تظهر فيها بعض اشجار الخروب والبلوط المعمرة على قلتها , متاخمة للأحراش التي استشهد فيها شيخ المجاهدين (عز الدين القسام ) ورفاقه شمال بلدة يعبد .
الحال عزبة , مكونة من حجرة لسكن العائلة , ملحق بها (صيرة) حوش للمواشي وبيت كبير(الرواق) لتخزين العلف , تبيت فيه المواليد الجديدة والماشية شتاءً . اما حجرة العائلة فمتعددة الوظائف , يصفّ فها الفراش نهارا , فتصبح غرفة ضيوف ومعيشة , ويدار الفراش ليلا فتمسي غرفة نوم , وفي ركنها الايمن بجانب الباب ادوات بسيطة للطبخ كالقدر النحاسي وابريق شاي ودلة قهوة وبعض الصحون والملاعق والسكاكين , ووابور الكاز الذي يستعمل ليلا لعمل الشاي والقهوة , عند حضور الضيوف , اما الاكل فيطبخ على النار في النهار , والزاوية اليسرى من الحجرة مخصصة لاستحمام الاطفال .
حركة غير اعتيادية في البيت , الفرحة تعلو الوجوه خاصة الوالدين , فابنهم البكر ( ابن الخامسة والنصف ) , المعقود عليه امل تخليصهم من حياة البؤس , سيذهب غدا الى المدرسة , في اول يوم من ايام السنة الدراسية في الصف الاول . بعد الانتهاء من حلب المواشي والتجبين (صنع الجبن) والترويب , احضرت الوالدة وعاءً من الزنك اسمه (اللّجن او اللّكن ) بلغة اهل الشمال الفلسطيني , يستخدم عادة لاستحمام الاطفال وغسيل الملابس , وذلك قبل ظهور الغسالات . اشعلت الوالدة الوابور لتسخين الماء فالجو به لسعة برد , ووضعتني في اللكن وقامت بتحميمي وهي تغني فرحة ثم البستني ثيابا جديدة اعدت للمدرسة , وهي عبارة عن قميص من الكاكي الرقيق يميل لونه للأخضر , وبنطال من الكاكي الثخين ليتحمل شقاوات الاولاد لونه عسلي , ثم قامت فأحضرت كيسا من القماش الابيض , تتفنن عادة الامهات في تطريز حوافه برسومات من الفلكلور الفلسطيني , يستخدم بدل حقيبة المدرسة , التي لم تكن متوفرة الا لعلية القوم , ولا اظن في كل المدارس التابعة لوكالة غوث اللاجئين احدا حملها , ونمت على هذه الحالة . في الصباح الباكر وفي غبش الليل بعد الفجر , صحيت فغسلت وجهي على عجل ولبست الحذاء الجديد , ووجدت الوالد قد شد الحِلْس على الحمار وامتطى صهوته , ثم اردفتني الوالدة خلفه بعد قبلتين على الخدين قائلة : “دير بالك يامّا بدي اياك تجيبها الاولى ” . ابتسمت فرحا وهززت راسي بالإيجاب , ثم ناولتني زوادة في صرة من القماش , نصف رغيف من خبز الطابون المدهون بالزيت في داخله قطعتان من الجبن وحبة من البندورة , لتناولها فترة استراحة الغداء في المدرسة .
ما ان استلمنا الطريق خارج حدود العزبة حتى بدأت معالمها تتضح , قال الوالد بلهجة امرة : اسمع يا ولد , انتبه للطريق فستعود منها وحدك . كانت الطريق وعرة مهدتها خطوات الدواب من العزب الكثيرة للقرية . تمر من تحت شجرة خروب ضخمة , كنت احس انني اسير في ظلها نصف عام قال الوالد : انتبه عليك ان تمر من تحت هذه الشجرة بسرعة فهي مرتع للدبابير وربما الافاعي . انقبض قلبي قليلا , واختفت معالم البسمة المرسومة على وجهي ثم واصلنا السير , كانت الطريق على سفح تلة , ثم تنحدر قليلا قليلا لتقطع واديا , وتسير بمحاذاة الضفة الاخرى له , فقال الوالد : هذا السفح تحتك مليء بالكهوف التي تأوي اليها الضباع والكلاب البرية , لكن لا تخف لأنها لا تظهر الا بالليل , جف حلقي فما عدت أقدر على بلع ريقي . قطعنا الوادي للضفة الثانية فقال : حذار من اجتيازه اثناء جريانه في المطر , لأنه واد عميق يجرف كل شيء , فانتظر حتى يأتي من يساعدك على قطعه , بدأت رجلاي تتراقصان من شدة الخوف . وصلنا بداية العمار, كان علينا ان نسير قرابة كيلو متر في طريق متسعة , اكثر سهولة الي وسط السوق ثم الانعطاف شرقا حوالي نصف كيلو الى البيادر المقامة عليها مدرسة وكالة غوث اللاجئين , قال : انتبه ففي الصباح يمر عجال (مجموعة أبقار) القرية مسرعا , وقد يدوسك في طريقه , فيجب ان تبتعد عن الطريق حتى يمر ثم تكمل طريقك , وصل قلبي الى اطراف اصابع قدمي , وما ان وصلانا المدرسة واراد ان ينزلني من على متن الحمار حتى وجدني كالخشبة , قلت : بصوت متهدج : يابا الله يخليك , رجّعني ما بدي ادرس . كانت هذه اخر كلمة قلتها , بعدها رأيت الدنيا بكل الوان الطيف , وطنين في اذني اليسرى بقي ملازمي حتى ظهور نتائج الثانوية العامة , وحصولي على اعلى معدل في شعب المدرسة كلها .
ما رايكم ــ دام فضلكم ــ ؟ ألستم معي انها كانت ضربة معلم ؟ بوركت تلك اليد ورحم الله صاحبها . طبتم وطابت اوقاتكم .

NO COMMENTS