كيف اكتُشف كتابان مفقودان لوالت ويتمان؟ ديمة الشكر

0
213

يبدو خبر “المقالات المتسلسلة” التي اكتشفها طالب الدكتوراه زاكاري توربين، وأدّت حتى الآن إلى “ولادة” كتابين للشاعر الأميركي الشهير والت ويتمان (1819-1892)، أكثر من مثير للاهتمام، وجدير بالاحترام إذ يجلو جانبًا مهمًا من قدرات الأرشفة المكتبية الوثيقة الصلة بعلوم الحاسوب وبرامجها المعقدة، وفي الآن ذاته يجلو جانبًا آخر لا يقل أهمية: احترام إرث الكتّاب والمثقفين.

مكانان اثنان

المكان الأوّل: على الشبكة العنكبوتية وتحديدًا مكتبة الكونغرس الأميركية، الأضخم والأكثر تطورًا من الناحية الحاسوبية، لعلها صورة باهرة لخيال علمي يضع كل معرفة في متناول اليد، ويركّبها ويُنتج منها معارف لا تنتهي.
أن تتمتع المكتبة بآخر ما أُنتج من تقنيات حاسوبية في الأرشفة والفهرسة والمعالجة، ليس أمرًا نافلًا ولا تفصيلًا صغيرًا. التقنية والإمكانات المادية الهائلة ستتيحان للقائمين على المكتبة إنشاء مجموعات متجانسة من “الوثائق”.

تقول الحكاية، إن مبلغًا رُصد من أجل إجراء مسح ضوئي شامل لكل صحف وجرائد القرن التاسع عشر. الجملة التي تبدو بسيطة تعني “تصويراً” عن طريق سكانر متطور جدًا لكل صفحة من دوريات القرن كاملًا (يومية، أسبوعية، نصف شهرية، شهرية… إلخ)، ومن ثم تخزينها بطريقة تتيح للحاسوب قراءتها كما لو أنها مرقونة. وترتيب ذلك كله وتوضيبه وفهرسته علميًا وعمليًا ضمن قاعدة بيانات خاصّة.
لن نفتح قوسًا للمقارنة مع اللغة العربية، إذ إننا نفتقد الأمرين معًا على أقل تقدير: الماسح الضوئي القادر على قراءة اللغة العربية، والبرنامج المرافق الذي يتيح معالجتها.

المكان الثاني : من وراء شاشة حاسوب محمول في هيوستن، عن طريق الإنترنت بالطبع، يقوم طالب الدكتوراه المختص بالأدب زاكاري توربين، بوضع “فكرة” موضع التنفيذ: دراسة مفكرات ومسودات الشاعر الأميركي الشهير، تمحيصها، من ثم التنقيب فيها. إذ لاحظ الطالب أن بعض الكلمات والجمل والملاحظات توحي وكأنها تغذي “سردًا ما”. فراح ينتخب كلمات بعينها، لتكون كلمات مفتاحية، يدخلها بعد ذاك في قاعدة بيانات صحافة القرن التاسع عشر. ينقر على زر البحث، وتأتيه النتيجة بعد ثوانٍ قليلة.


مرتان اثنتان

المرة الأولى : استعمل الباحث أحد الأسماء المستعارة التي ثبت علميًا أن ويتمان استعملها في مستهل حياته الأدبية. وضع اسم “موسى فيلسور”، وانتخب مجموعة ألفاظ تتعلق بـ المعلومة الآتية : “لطالما عرف الباحثون أنه ضمن جبال المفكرات والمختصرات والمخطوطات غير المنشورة لويتمان، ثمة “خربشة” بخط اليد تتعلق بالترويج لـ “النسخة الأصلية عن التمرين الذكوري من الدرجة الأولى””. نعم صحيح الأمر يتعلق باللياقة البدنية الذكورية. ركّب توربين بحثه على هذا النحو، وجاءت النتيجة صاعقة. يقول الباحث معلقًا : “لقد استغرقني زمنٌ، حوالي يوم وليلة، لتصعقني حقيقة الأمر : كتاب مفقود وغير عادي لوالت ويتمان نفسه”.

وللتحقق من أن ما عثر عليه في إحدى صحف ذاك الزمان، ووجده كاملًا على ميكروفيلم، كتبه فعلًا ويتمان، قام الباحث بعمله : البحث لغويًا، فبرر صحة نسب الثلاثة عشر مقالًا متسلسلًا إلى ويتمان كالآتي :”استغرق بضع دقائق فحسب ليس فقط لأن الاسم الموقع به هو الأسماء المستعارة التي يستعملها ويتمان، بل أيضًا لأن “اللغة الظاهرة في صحة الذكور، تطابق كلمةً كلمة، بعض الخربشات في مفكرات ويتمان، عن الجسد والصحة والتمارين”.

النتيجة: ثلاثة عشر مقالًا تؤلّف كتابًا “وعظيًا” إن جاز التعبير، تحت عنوان “اللياقة الذكورية والصحة” (1858). وسيكون من الصعب مثلًا عدم المفاجأة إذ نقرأ بقلم صاحب “أوراق العشب” جملة من قبيل : “ليكن الجزء الرئيس من نظامك الغذائي، اللحم باستثناء أي شيء آخر”، أو “حافظ على قوتك الذكورية، صحتك، وصلابتك من كل أذى واعتداء”، أو أن نكتشف جانبًا رجعيًا أو عنصريًا لدى الشاعر، وفقًا لتعليق توربين على الكتاب. ويختار الباحث النظر إلى كتاب ويتمان “الغريب” هذا، باعتباره “مقالة في الجمال الذكوري ودليلاً على الشوفينية، ذاكرة عن الرياضة، ومانيفستو عن تحسين النسل، ووصفًا للحياة اليومية النيويوركية”.

أن يكون لوالت ويتمان كتاب عن الصحة الذكورية، سيفسّر إلى حد كبير محاولات الشاعر إخفاء أعماله المبكّرة، وفقًا لأستاذ الأدب الإنكليزي في جامعة أيوا إذ فولسوم. وليس أدل على ذلك، إلا تعليقه ما إن انبرى أحد النقاد عام 1891 وتوقع إعادة طبع أعمال الشاعر الأولى، فرد عليه ويتمان : “كنت على وشك الخضوع لإغراء إطلاق النار عليه، لو توفرت لي المناسبة”.
المرة الثانية: وضع توربين اسمي علم، وردا في إحدى مفكرات ويتمان : “كوفير” و”جاك إنغل” في قاعدة البيانات إيّاها، فظهر إعلان في صحيفة النيويورك تايمز بتاريخ 13 آذار/ مارس 1852، عن رواية متسلسلة “زاخرة بالأحداث” عنوانها : حياة جاك إنغل ومغامراته”، ستصدر عمّا قريب عن “برقية الأحد”. لكن هذه المرة كان الاسم مغفلًا.

ها هنا، قام الباحث المختص، بالاستناد إلى معلومة تقول إن والت ويتمان كان متعاونًا مع “برقية الأحد” ويرسل إليها باستمرار مساهماته، وعبر هذه المعلومة استطاع نسب النص إلى ويتمان. وزاد في الأمر أن جمع الحلقات الست المتسلسلة، ومقارنتها بما ورد في مفكرة ويتمان، أظهر تطابقًا دقيقًا بين النص المنشور وملاحظات الشاعر في مفكرته.
النتيجة: ضجة كبرى في الأوساط الثقافية والأدبية، ترافق اكتشاف رواية “ثانية” للشاعر: “حياة جاك إنغل ومغامراته”، خاصّة أننا لا نعرف حتى اليوم إلا رواية وحيدة لويتمان: “فرانكلين إيفانز”، الصادرة عام 1842.

تشتد دوائر الحبكة الروائية حول يتيم هو جاك إنغل، وهو متدرّب لدى المحامي “الخسيس” كوفير. يكتشف إنجل أن معلمه يحاول وضع يده على ثروة ابنته بالتبني، فيقرر مساعدتها، ليكتشف لاحقًا أن قدريهما مترابطان. ووفقًا للباحث، فإن ويتمان، يبدو في روايته هذه “متأثرًا بتشارلز ديكنز، لجهة نقد المجتمع”.


سؤال بليد

وعودة إلى المكتبة المهيبة، وما تسنه من قوانين (في النشر والأرشفة) تؤثّر في مجال المكتبات وعلومها في العالم كله، فقد نُشر الكتابان على شبكة الإنترنت مجانًا، نظرًا إلى خلوهما من حقوق الملكية الفكرية والسبب في حاليهما مرور مائة عام على وفاة المؤلف (لا حقوق للورثة أيضًا في هذه الحالة). والنشر الإلكتروني المباح لمن يصل الشبكة العنكبوتية، لم يمنع البتة نشر الكتابين ورقيًا، مرة في دورية “مجلة والت ويتمان الفصلية” الصادرة عن جامعة أيوا، ومرة لدى دار نشر “ريغان آرت بابليشينغ”.

 كذا سيصير السؤال عن المفاضلة بين الورقي والإلكتروني بليدًا، إذ ينم عن جهل عصي عن التصنيف. ذلك لأن الأصل الورقي الذي احتفظت به بضع مكتبات جامعية، وأنفقت عليه فهرسة وحفظًا وأوسعت له مكانًا في المخازن، وغذّت وجوده طوال تلك السنوات هبات مالية من الموسرين الذين يريدون التخفيف من مبالغ ضرائبهم، وبعد ذلك تطوير البرامج الحاسوبية الخاصة بالمكتبات، والإنفاق على ذلك، ومن ثم اقتناء الماسح الضوئي والبرنامج الحاسوبي الملائم له، وتوظيف “جيش” من أمناء المكتبة لسنين طوال، للعمل على الأمر من ألفه إلى يائه، وبعد ذاك الأخذ بفكرة أحدهم لإنشاء قاعدة بيانات لصحافة القرن التاسع عشر، وصولًا إلى طالب الدكتوراه وعمله الحثيث وطريقة تفكيره المبتكرة، ذلك كله، يمزج الورقي بالإلكتروني على نحو لا فكاك منه، إذ يشيران معًا إلى أمر وحيد: احترام العلم والثقافة، ويبطنان عبر مسارهما الطويل والمشترك رأيًا وجيهًا عن بلادة من يفاضل بينهما.

– See more at: https://www.alaraby.co.uk/diffah/herenow/2017/4/19/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%83%D8%AA%D8%B4%D9%81-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%81%D9%82%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA-%D9%88%D9%8A%D8%AA%D9%85%D8%A7%D9%86#sthash.Ub724jlz.5RGcQuBI.dpuf

NO COMMENTS