نظريات العودة إلى المستقبل.. الآلات والحرب العالميّة الثالثة (1–2)

0
18
في هذا الملف، تُقدّم صحيفة لوموند نظريات خمسة من الكُتّاب والمفكّرين الذين توقّعوا شكل المجتمع البشريّ في المستقبل، وقد بيعت كتبهم في ملايين النُسخ.

1- سيطرة الآلات على البشر، سنة 2045
إذا ما اعتقد المرء في نظريّة راي كورزويل Kurzweil، فإن )التفرّد التكنولوجي singularity (أصبح قريبًا : سنة 2045؛ بل وشيك الحدوث، نظرًا لأنه سيحدث في غضون أقلّ من جيل.

في الخمسينيات، استعار كُتّاب الخيال العلميّ الأميركيون مصطلح “التفرّد” من الرياضيات. وفي مجال العلوم الاجتماعية، يعني هذا المصطلح طفرة أو تغيّر شامل لا مثيل له، ولا رجعة فيه : بدأ عصر الحواسيب الشبكيّة الخارقة، وهي أكثر “ذكاءً” وفاعليةً من البشر في كل المجالات. بفضل برامج “التعلّم الآلي” وقواعد البيانات، فإن هذه الحواسيب ستواصل عملية تحسين أداءها إلى ما لانهاية، دون التدخّل البشري.

ستدخل البشريّة، التي أصبحت أدنى طبقيّا من مخلوقاتها، عصرًا جديدًا لا يستطيع أحد اليوم وصفه، لأن العقول البيولوجية “المحدودة” للبشر، اليوم، عاجزة عن تخيّل شكل عالم المستقبل الذي ستخلقه هذه الآلات فائقة القوّة.

من هنا، أصبح من السهل وضع عدد لانهائي من السيناريوهات الكابوسيّة، تقوم كلّها على فرضية واحدة: استيلاء الآلات الذكيّة على السُلطة والانفراد بالتسيّد على كوكب الأرض، الأمر الذي يؤدّي إلى تهميش البشر أو استعبادهم، أو حرفيًا القضاء عليهم إذا ما قرّرت إحدى البرمجيّات يومًا أن الإبقاء على هذه “المخلوقات عديمة الفائدة” مُكلّف للغاية.

ومع ذلك، فهناك مفكّرون أميركيون يحاولون تقديم رؤية متفائلة للتفرّد. انطلق رايموند كورزويل في كتابه “اقتراب التفرّد” من مسلّمة مفادها أن هذا الحدث سيكون في العام 2045، وأن ذكاء الآلة في هذا العام سيفوق ذكاء الإنسان الحالي كلّه بمليار ضعف. ولكنّه يُعتبر هذا الحدث نقطةً إيجابيّة، ينتظرها بشغف. لأنه يرى أنها لا تقضي على البشريّة، بل ستكون بمثابة ولادة جديدة للبشر، إذ ستمكّنهم من الارتقاء: تخطّي حدودهم البيولوجيّة عن طريق الاندماج جسدًا وروحًا مع الحواسيب، بعبارةِ أخرى، لن تستعبد الآلات الإنسان، بل سيكون جزءًا لا ينفصم عنها.

ولكن العام 2045 اقترب، فكيف يُمكن حدوث ثورة بهذا العُمق في وقت وجيز؟ يرى كورزويل أن كل المجالات تشهد تقدّمًا سريعًا بسرعة خارقة ومُطردة: يكون بطيئًا للغاية في البداية، ثم يتسارع تدريجيًا، ثم يصل إلى سرعةِ مذهلة. قانون مور Moore (1965) يؤكّد ذلك بشكل قطعيّ، فهو يؤكّد أن قدرة الأداء للحواسيب تتضاعف كل 18 شهرًا، أيّ تتضاعف قوّتها بواقع ألف مرّة في 15 عامًا، وبواقع مليون مرّة في ثلاثين عامًا؛ الأمر مرعب.

لإثبات فكرته بأن كل شيء يتسارع تدريجيًا، يعود كورزويل إلى الانفجار العظيم، وظهور النظام الشمسي، والإنسان العاقل، وتطوّر الحضارات، وهكذا حتى القرن الـ 21.

يشكّ كثير من القرّاء في تاريخ 2045 هذا الذي يبدو غير واقعي، لأن العقل البشريّ يعجز عن فهم مفهوم “السرعة الخارقة”، فهو مُهيّأ، بحُكم البيئة، للتفكير خطّيًا : 1 + 1 +1 = 3.

كيف سيحدّث هذا الاندماج البشري-الآلي؟ وفقًا لـ كورزويل، سيبدأ الأمر بلمسات صغيرة، بفضل الجمع بين علم الوراثة، وَتقنيّة النانو، وَالروبوتيّة. سيبدأ الأمر بشكل حميد ظاهريًا : علاج خلويّ، زراعة الشرائح الإلكترونية، الحقن بـ روبوتات النانو لإصلاح الدورة الدمويّة، تركيب وزراعة الأطراف الصناعيّة المتصلة بالإنترنت، وغيرها من الأمور الشبيهة. سيشهد الإنسان “تطوّرًا بطيئًا ولكنه قاسٍ، من البشر البيولوجيين إلى حالةِ من اللابيولوجية” (أيّ التماهي مع الآلة).

تثبيت الروح في الآلة
إن كورزويل على قناعة أيضًا أنه قبل حدوث التفرّد، ستتمكّن البشريّة من تصنيع بشر “مُحَسّنين”، قادرين على العيش طويلأ، بل العيش إلى الأبد.

تبقى مشكلة وحيدة أمامه: الأطفال المولودون بعد الحرب العالمية الثانية الذين اخترعوا هذه التقنيات الجديدة لن يتمكّنوا من الاستفادة من ثمرة عملهم، لأنهم سيموتون ميتةً طبيعية قبل أن تتطوّر هذه الاختراعات بشكل نهائيّ. وبما أن كورزويل وُلِد سنة 1948، فهذا الموضوع يشغله كثيرًا، فصار يأكل الغذاء الصحيّ فقط كي يطيل في عمره.

سيكون هذا الاندماج مُعقّدًا بالنسبة للدماغ. يجب أولًا إجراء مسح ضوئي لمحتواه لـ “القبض على شخصية الفرد كاملةً، وذاكرته، ومواهبه، وتاريخه”. ثم القيام بتحميل المعلومات المُستَخلَصة على حاسوب، بحيث تستمرّ الروح في الوجود، وفي العمل بصورةِ رقميّة. وستستمرّ هذه الروح في الوعي بذاتها، بمعزل عن مصير الجسد البيولوجي الذي ستنبُع منه.

وبمجرّد تثبيت الروح في الآلة، ستواصل تطوّرها بشكل حُرّ عمّا سبق: “المساحة داخل جمجمة رأسنا محدودة، لم يكن أينشتاين يُجيد العزف مثلًا. عندما نُعيد خلق الدماغ البشريّ، ستكون قدراتنا على تطوير أيّة موهبة غير محدودة، وهكذا لن نظلم منطقة في الدماغ على حساب أخرى”.

وفي نهاية الأمر، سيتسرّب الذكاء وينتشر في الكون بأسره، بحيث لا يستطيع أحد كبحه: “بمجرّد أن تتشبّع مادة الكون وطاقته بهذا الذكاء، فإنه سيستيقظ، ويصير واعيًا، وذكيًا بشكل متُسامِ. وهذا، في نظري، أقرب شيء للإله”.

عقب صدور هذا الكتاب في 2005، أثار ولع كثير من الأميركيين الذين ينتظرون مستقبلًا جذريًا، متفائلًا، وروحيّا في الوقت نفسه. وقد أضفى شرعيةً علمية على حركة “ما بعد الإنسانية transhumanism”، التي يطمح أنصارها إلى خلق “بشر مُعزّزين”، بفضل علم الوراثة والإلكترونيات. كما شجّع مؤيّدي العُمر الطويل، الذين يبحثون عن إطالة عُمر الإنسان بشتى الطرق.

حتى اليوم، لا يزال الاهتمام بـ كورزويل مستمرًّا، فهو مخترع ورجل أعمال ناجح، وألّف ثمانية كتب وحاز على العديد من الرسائل الفخريّة والجوائز. غير أن نظرياته لا تحظى بإجماع في المجتمع العلميّ. وأحد أبرز المُشكّكين فيه هو توني آغيري، بروفيسور علم الفلك في جامعة كاليفورنيا ورئيس معهد “مستقبل الحياة” الذي يضطلع بمُهمة “الحدّ من المخاطر الوجوديّة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي”.

صرّح البروفيسور: “لا وجود للحتميّة: الذكاء الفوق- بشري لن يوجد بالضرورة، أو سيوجد ولكن بعد وقتِ طويل للغاية، ولكن إذا حدث ذلك خلال 15 عامًا، فنحن لسنا مستعدّين، وسيكون الأمر مروّعًا”.

ولكن غيري يُعارض أيضًا الأساس الذي يشيّد كورزويل فكره عليه: “من جانب، يقول كورزويل إن العالم بعد التفرّد سيكون غير مفهوم لبشر اليوم، ولكنه من جانب آخر يظُن أنه يعرف أن الأمور ستسير على ما يرام، إنه غير متّسق”.

في فرنسا، لا يقبل الباحثون البُعد الميتافيزيقي لكتاب كورزويل. جان-غابرييل غاناسيا، بروفيسور علم الحاسوب بجامعة بيير وَماري كوري، نشر في 2017 كتابًا بعنوان “خرافة التفرّد”، حيث يقول : “إنها خرافة، تستند إلى فكرة أن الإنسان يستطيع فَصل وعيه عن جسده؛ إنه مفهوم ديني أكثر من أنه علمي، لمحاولة الذهاب إلى ما وراء الموت”.

كما أن مبدأ السرعة الخارقة لتطوّر الكون لم يُثبَت، لأنه لا شيء يؤكّد مثلًا على أن قانون مور هو قانون أبديّ. ولا يعتقد غاناسيا كذلك في فرضيّة أن الآلات ستصبح أكثر قدرةً وإبداعًا دون تدخّل بشري، فيقول : “إن التقدّمات التي يحرزها العلم تكون بفضل عمليّات القطيعة الإبستيمولوجية، وبفضل اختراع مفاهيم جديدة بحقِ. تستطيع الآلات تحسين نفسها داخل نظام مُحدّد، ولكنها لا تستطيع تغيير البارادايم (النموذج الذي يحكمها). وبالمثل بالنسبة لفكرة أرواح البشر التي ستعيش داخل الحواسيب، فهي لا تعجب غاناسيا : “سنكون كالأشباح نتجوّل على الشبكات بلا نهاية. يا للحزن..”.

يواصل كورزويل على قناعاته نفسها حتى اللحظة الراهنة. في مارس/ آذار 2017، صرّح في حوار له قائلًا: “من يستطيع اليوم العمل بلا امتداد لدماغه؟ إن هاتفي الذكي يُعدّ جزءًا لا يتجزأ من دماغي، فهو يجلعني أكثر ذكاءً. إنه لا يزال خارج الجسد، ولكنه سيُدمَج فيه بحلول عام 2030”.

2- الحرب العالمية الثالثة، سنة 2050
لا ينفكّ جورج فريدمان Friedman يُذكّر باقتناع تامّ، ودون أن يحمل كلامه نبرة سخريّة: فيما يتعلّق بالجيوبوليتيك وبتوقّع المستقبل، يجب تنحية الأحداث الجارية جانبًا.

عندما نُشِر كتابه “المائة سنة القادمة”، في يناير/ كانون الثاني 2009، كان بنك ليمان قد أشهر إفلاسه قبل ذلك بعدة أشهر، مُعلِنًا عن أزمة سترُجّ النظام الماليّ العالميّ رجًّا. فمن البديهيّ إذن عدم نشر هذا الكتاب في هذه اللحظة، إذ يُدافع الكتاب عن أطروحة تقول بأن أميركا ستتسيّد القرن الـ 21 بفضل قوّتها الاقتصاديّة والعسكريّة. “رأى البعض أن توقّعاتي وُلِدَت ميّتة، بما أن الاقتصاد الأميركي سينهار ولن يتحسّن مجدّدًا”، يتذكّر فريدمان.

بعد نشر الكتاب بعدة أشهر، كان الاقتصاد الأميركي لا يزال واقفًا على قدميه. واحتلّ كتاب فريدمان المرتبة الخامسة في الأكثر مبيعًا، وفقًا لنيويورك تايمز.

تمرّ أميركا بأزمة ماليّة قويّة، أصبحت ركودًا، ولكنها بعيدة عن الكساد الكبير في الثلاثينيات. كما أن هذا الركود، في نظر فريدمان، ليس الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية. ويُشير إلى أن كل ذلك يثبت أن أميركا هي مركز الجاذبية في النظام العالميّ؛ فعندما تعصف بها أزمة، ينشغل بها العالم بأسره. كما أن الوضع خارج أميركا يكون أفدح. يخلص فريدمان إلى أن باقي دول العالم تحتاج إلى خروج أميركا من أزمتها وتعود الأمور كما كانت.

يذكر فريدمان بعض المتغيّرات الأخرى: الاجتياح الأميركي الكارثي للعراق ليس عبئًا ثقيلًا للغاية كما نتخيّل. أرسلت أميركا أقل من 200 ألف رجل إلى العراق، وقُتِل منهم أقل من 5 آلاف، ما يمثّل بين 6 و8% من الخسائر التي تكبّدتها أميركا في فيتنام، و1% من خسائر الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية.

حجّة أخرى لتدعيم رأيه: إن تحكُّم أميركا في محيطات العالم، وهو ملمح جيوبوليتيكي، لم يتغيّر. فهذا التحكّم ليس فقط أساس الأمن الأميركي، بل يمدّها بالقدرة على تشكيل النظام العالمي.

يُصرّ فريدمان على الطريقة التي يقيس بها الجيوبوليتيك، فهي تُخبرنا، وفقًا له، بأن أحداثًا قليلة هي التي تكون غير مسبوقة، وأن فُرص وإمكانيات إعادة توزيع الأوراق شبه معدومة. إنه يرى أن الجيوبوليتيك يقوم على التذكير بأنماط السلوك وفهم أسباب تكرارها. إن تنبّؤاته للمائة سنة القادمة جريئة. أعلن مثلًا أن القوى الصاعدة، مثل روسيا والصين، ستنحدر سريعًا. وتنبّأ باندلاع حرب عالميّة ثالثة في عام 2050، سيتحارب فيها معسكران.

المعسكر الأول سيضُم أميركا وبولندا –التي ستتزعّم أوروبا الوسطى- وبريطانيا العظمى، والهند، والصين. أما الآخر، فسيأخُذ شكل التحالف، بين تركيا واليابان. ستنشب هذه الحرب بعد هجوم مفاجئ سينفّذه الأتراك واليابانيون. لا يريد هذا المعسكر الأخير احتلال أميركا أو تدميرها، بل يريد التوصّل إلى اتفاق يضمن له منطقة نفوذ: شمال غرب المُحيط الهادئ بالنسبة لليابان، والشرق الأوسط بالنسبة لتركيا.

وبعد ذلك، في حدود سنة 2080، يتوقّع فريدمان نشوب صراع بين أميركا والمكسيك. فبينما تميل أميركا اليوم إلى غلق حدودها أمام المهاجرين المكسيكيين، فإن هذه الديناميكية قد تنعكس خلال 20 عامًا لأسباب ديموغرافية : لتعويض اليدّ العاملة المُسنّة والآخذة في الانحسار، قد توفّر أميركا تأشيرات عمل مُيَسّرة وَإغراءات ماديّة لمن يريد العمل، بدءًا من المكسيكيين الذين تربطهم حدود مشتركة.

ولكن نحو عام 2080، وبينما ستصبح أميركا قوةً اقتصادية تمتلك عددًا ضخمًا من المُغتربين، فقد يُشكّل هذا الأمر تهديدًا للمصالح الوطنيّة الأميركيّة، ومن ثم قد ينشب صراع بين البلدين.

المركزيّة الأميركيّة
حاز الكتاب وقت صدوره على آراء مختلفة. واشنطن بوست رأت أن فكرة استمرار تسيّد أميركا على العالم في القرن الـ 21 لصائبة تمامًا. ورأت النيويورك تايمز بدورها أن قوة أميركا ستزداد أكثر فأكثر. أمّا سان فرانسيسكو كرونيكل، فاستنكرت “المركزيّة الأميركيّة” للكتاب.

يُشيّد جورج فريدمان منهجه على الحسّ السليم: “الكشف عن البديهي هو أمر أساسي عند التنبؤ بالمستقبل. لا يعمل عالمنا بالأسرار، بل عن طريق قوى واضحة ومرئية؛ ما يُعيقنا عن فهم هذه القوى وإدراكها هو القصور. من الصعب الاعتقاد في أن المؤسّسات الكُبرى الموجودة اليوم ستختفي مستقبلًا، أو أن تغيرًا جذريًا سيطرأ. ولكنْ ثمة تغيّر جذري يطرأ كل 20 سنة”.

يجب إذن أن ننتبه لما قد يكونه هذا التغيّر الجذري. يُذكّر فريدمان أنه في سنة 1900، كانت القوى الأوروبيّة تتسيّد العالم، ولكنها تفتتت وانهارت في سنة 1920، بعد الحرب العالميّة الأولى. “تصوّر الجميع أن ألمانيا انتهت، ولكن بعد ذلك بـ 20 عامًا احتلّت فرنسا وأصبحت أقوى دولة غربيّة قاريّة. وفي سنة 2000 بعد سقوط جدار برلين، قيل إن الجيوبوليتيك قد انتهى وأن الحروب ولّى زمانها، ولكن حدثت 11 سبتمبر”، يقول فريدمان.

القوميّة الأوروبيّة
يتساءل فريدمان : “ما الذي يبدو لنا بديهيًا خلال 20 عامًا؟ قلتُ في كتابي إن صحوة القوميّة الأوروبيّة أمرٌ لا مفر منه. كان ذلك في 2009، وكان كلامي وقتئذ لا يُمكن تصوّره أو تصديقه، لأن الاتحاد الأوروبي أُسِّس على أساس إلغاء الحدود، وهي فكرة تتعارض مع القوميّات. أمّا اليوم، فلا أرى أي شيء يمنع الاتحاد الأوروبي من الانهيار”.

يعبّر فريدمان عن ندمه لأنه توقّع انهيار روسيا والصين بعد وقت طويل. فمعدّل نمو الصين انتقل من المستويات الخياليّة إلى مستوى طبيعيّ، مثل اليابان قبل ذلك، باستثناء أنه يوجد نحو مليار فقير في الصين. كما أنها منحصرة جغرافيًا : تُشبه الجزيرة التي لا يحدّها ماء بل تضاريس وأراض غير مزروعة، إلى جانب الحواجز الطبيعيّة التي تعزلها عن باقي العالم وتحكُم عليها بأن هيمنتها ستكون فقط على جنوب شرق آسيا. أمّا روسيا، فتواصل البقاء بفضل تصدير الهيدروكاربورات، التي انخفض سعرها، ويواصل الانخفاض، وأمام ذلك، لن تجد روسيا من طريق سوى الانهيار.

في المقابل، يُقرّ فريدمان بخطأ تقديريّ ارتكبه، لأنه لم يتوقّع هذا التصاعد المكثّف في وتيرة الصراعات في الشرق الأوسط. ولكنه لا يزال يشُكّ في التحدّي الذي أعلنه الإسلام، سواء في الغرب أو البلاد العربيّة. “تكمُن مشكلة الإسلام في أنه مُقسّم إلى مجموعات دينيّة وإثنيّة. تهدف “الدولة الإسلامية” إلى إعادة الخلافة، ولإتمام ذلك يجب أن تتّحد الدول من المغرب إلى الفيليبين، وذلك لن يحدث في هذا القرن”.

إن فريدمان على قناعة تامّة بنشوب حرب عالمية ثالثة، وقد كتبها بكثير من التفصيل. يقول “تندلع في كل قرن حرب نظاميّة. سبب هذه الحروب هو ظهور قوى وانحدار أخرى. في أثناء الحرب العالمية الثانيّة، ظهرت ثلاث قوى: ألمانيا، أميركا، اليابان. وانحدرت فرنسا والإمبراطوريّة البريطانيّة. ولهذا فسيكون من الغريب أن يمرّ القرن الـ 21 دون حدوث تغيّر في النظام.

يُعارضه البعض بأن حدوث حرب عالميّة ثالثة أمرٌ لا يمكن التفكير فيه بسبب القوّة التي وصلت لها الأسلحة الحديثة، فيردّ قائلًا : “الحروب دائمًا مستحيلة، حتى يأتي اليوم الذي تندلع فيه”. ثم يواصل : “ذكرتُ اليابان وتركيا بوصفهما قوى صاعدة. ستُصبح اليابان قوةً إقليميّة تحتاج قواتها الجويّة والبحريّة إلى تحسين أنفسها، فستشتبك مع القوّة الأميركية التي تُريد السيطرة على كل المحيطات. أمّا تركيا، فالمنطق يقول إن دولةً بمثل هذه القوة ستؤكّد هيمنتها في منطقةِ غير مستقرة. واستقرار هذه المنطقة سيتحقّق مع السيطرة التركيّة”.

وفي النهاية، في القرن الـ 21 الذي تهيمن عليه أميركا، فإن النزاع سيأتي على مراحل: الإسلام، ثم روسيا، تركيا، اليابان، والمكسيك.

إن تفاصيل نظريّات فريدمان مُعقّدة، حيث يعترف هو بنفسه : “يحدث كثيرًا أن يُخطئ المرء”.

NO COMMENTS