نفايات “ديمونا”.. قاتل صامت في الخليل

0
50

نفايات “ديمونا”.. قاتل صامت في الخليل

يتحدث شهود من مناطق جنوب الخليل عن مواد إسرائيلية تُدفن في أراضيهم وغير بعيد منازلهم، لا يعلمون طبيعتها؛ لكنهم يثقون بأنها “مخلفات نووية”، تزيد عُمق المعاناة في المنطقة القريبة من مفاعل “ديمونا” النووي الإسرائيلي، الذي يبعد نحو 45 كم عن المحافظة، إذ تؤكد مصادر عديدة أن هذا كله يفضي إلى إصابات مضاعفة بالسرطان، وبتشوهات الأجنة أيضا.

وحسب الرواية الرسمية الإسرائيلية، فإن مركز “ديمونا” النووي، الذي أصبح اسمه مؤخرًا “مركز شمعون بيريز”، يركز على الأبحاث والطاقة. لكن في ثمانينيات القرن الماضي كشف الخبير السابق في “ديمونا” مردخاي فعنونو أسرارًا لصحيفة “صنداي تايمز” البريطانية، أكد فيها إنتاج “إسرائيل” أسلحة نووية، وأمضى إثر ذلك عقوبة بالسجن لـ18 عامًا بتهمة التجسس.

واستنادًا إلى المعلومات التي كشفها “فعنونو”، فإن المفاعل ينتج سنويا نحو 40 كغم من “البلوتونيوم”، أي ما يعادل 10 –12 قنبلة كل منها بقوة 20 طن.

الخليل مكبٌ للنفايات النووية

وحسب الشهادات فإن الاحتلال أغلق أحد الكهوف الكبيرة بالاسمنت في منطقة “عرب الصرايعة” التي تبعد عن مدينة يطا 11 كم، بعد دفن مواد غريبة فيه، وتم تمويه لون الإسمنت بلون الصخر ووضعت فيه قضبان حديديه على شكل “براغي”.

shareشهود يسكنون في مناطق قريبة من مفاعل ديمونا يتحدثون عن دفن الاحتلال مواد مجهولة قرب منازلهم وإحكام إغلاقها

وحسب الشهادات التي أوردتها مصادر محلية عديدة لـ”ألترا فلسطين”، فإن سيارات إسرائيلية تدخل من حين لآخر مسافة 15 كم وصولاً لمنطقتي لويبلة وخويلفة (تبعدان 7 كم فقط عن بلدة الظاهرية) ويتبعها خلاطات للباطون؛ دون أن يُعرف ما يحدث بعد ذلك.

ويحدث الأمر ذاته أيضًا في قرية الدوايمة التي تبعد 7 كم عن يطا، ويجزم سكانها أن نفايات نووية تُدفن في منطقةٍ هناك تضع سلطات الاحتلال حراسة مشددة عليها، وتُعاقب كل من يقترب منها.

اقرأ/ي أيضا: “كنتُ أتعاطى المخدرات في بيت مستوطن”

وتتحدث المصادر أيضًا عن تحول جبال الدوايمة لمنطقة جرداء، بعد أن كانت لفترة محددة سابقًا مهبطًا لطائرات إسرائيلية تتوجه إليها بشكل يومي لأسباب لم يكن متاحًا التأكد منها، مؤكدة في الوقت ذاته على رصد مدفن للمخلفات السامة أيضًا قرب بلدة السموع، وآخر في وادي الصرار ببلدة بني نعيم.

وكشف (م.ج) من مدينة يطا عن إحضار الاحتلال قبل أعوام جرافةً وشاحناتٍ مغلقةً بداخلها حاويات، إذ حاصر حينها سكان منطقة “عرب الصرايعة” لأكثر من 10 ساعات، وبعد انسحابه تبين أن هناك آثار حفر ضخمة دفنت فيها مواد غريبة، إضافة لآثار “براغي” على صخرة موضوعة على باب الحفرة.

تقارير: مفاعل “ديمونا” هش

وأظهرت التقارير العلمية وصور الأقمار الصناعية الفرنسية والروسية المنشورة في مجلة “جينز إنتلجنس ريفيو” اللندنية المتخصصة في المسائل الدفاعية عام 1999، أن “ديمونا” يعاني من أضرار جسيمة بسبب الإشعاع النيوتروني. ويحدث الإشعاع أضرارًا في مبنى المفاعل، فالنيوترونات تنتج فقاعات غازية صغيرة داخل الدعامات الخرسانية للمبنى، مما يجعله هشًا وقابلاً للتصدع.

كما كشفت دراسةٌ جامعيةٌ إسرائيلية نشرت في تموز/2004، عن وجود نشاط إشعاعي في طبقات المياه الجوفية جنوب فلسطين، والمتصلة بالخزان الجوفي لقطاع غزة، ناتجٍ عن تسرب الماء الثقيل المشبع بالإشعاعات إلى المياه الجوفية، وقد بدا واضحًا ارتفاع نسبة الإصابة بمرض السرطان في أقصى مناطق الجنوب الفلسطيني وقطاع غزة.

وحسب الأبحاث التي أجرتها هيئة الأطباء الدوليين للحماية من الحرب النووية – فرع فلسطين في عام 2012 حول الإشعاعات، فإن الإشعاعات المنطلقة من “ديمونا” تصل بنسبة 11.3% في الظاهرية، و36.1% في يطا، وحلحول 13.2%، وبيت امر 15%، و9.3% في الفوار، وجميعها تتبع محافظة الخليل.

shareتشير دراسات منظماتٍ دوليةٍ إلى إشعاعات وتلوث في الهواء بنسبة عالية جدًا في مناطق تابعة لمحافظة الخليل نتيجة مفاعل “ديمونا”

وقال مدير الهيئة في فلسطين محمود سعادة، لـ”ألترا فلسطين”، إن الأعوام الأخيرة سجلت ارتفاعًا لافتًا في الإصابة بتساقط الشعر ومرارة الفم وجفافه، وكثرة حالات عدم الإنجاب (العقم) والتخلف العقلي والإعاقات الجسدية وعدم النمو الطبيعي، إلى جانب آلام المعدة والصداع المستمر، مشيرًا إلى دور أساسي لمفاعل “ديمونا” في هذا الجانب.

وفي عام 2011، أجرت لجنة علمية من فنلندا بحوثًا على الهواء الطلق في مناطق الجنوب الفلسطيني، ووجدت نسبة تلوث الهواء 95%، علما أن هذه النسبة تصل هذا الحد فقط في حال نشوب حرب نووية أو وجود مدافن نووية ومواد إشعاعية في مناطق قريبة من السكان.

الخليل تتصدر تشوهات الأجنة وإصابات السرطان

وبين تقريرٌ لوزارة الصحة الفلسطينية صدر عام 2013 حول توزيع حالات الإصابة بمرض السرطان، أن أعلى نسبة سجلت في جنوب محافظة الخليل، وبلغت 25%، من إجمالي معدلات الإصابة بالضفة، يأتي في مقدمتها سرطان الدم، والبروستات، والرئتين، والكبد، والدماغ، والثدي.

وقال وكيل وزارة الصحة الفلسطينية أسعد رملاوي لـ”ألترا فلسطين”، إن الناس كانوا قديمًا يموتون دون معرفة الأسباب، ومع التقدم الطبي تم اكتشاف الأورام ومعرفة مدى فتكها بحياة الإنسان، فأصبح الحديث عن نسب عالية للوفاة بهذا المرض، دون أن يستبعد إمكانية تورط الاحتلال في ذلك بسبب المخلفات النووية والإشعاعية.

اقرأ/ي أيضا: الظاهرية.. غنيّة بالآثار فقيرة بالزوّار

فيما أوضح رئيس مركز الحياة لمكافحة السرطان بلال أبو فخيدة، أن أعلى نسب الإصابات بالأورام المكتشفة مؤخرًا في مناطق الجنوب كانت في الثدي والجهاز الهضمي، مبينًا، أن النسب المسجلة هناك عالية مقارنة مع العالم وليس في الإقليم فقط.

وأضاف لـ “ألترا فلسطين”، أن بعض الأورام لا يوجد لها علاج في فلسطين ويتم تحويل المصابين بها إلى مستشفيات أجنبية، مثل الأورام في القفص الصدري.

وفي عام 2006، كشفت جمعية مكافحة السرطان الإسرائيلية أن سرطان الثدي هو أكثر الأمراض الخبيثة انتشارًا في المناطق القريبة من المفاعل، موضحة، أن أربعة آلاف امرأة تصاب بهذا المرض سنويًا.

وأكد طبيب متخصص في الأمراض النسائية ببلدة الظاهرية، أن نسبة كبيرة من الصور التلفزيونية التي أجريت لنسوة حوامل من المنطقة أظهرت تشوه الأجنة، موضحًا، أن التشوه تمثل بنقص في الأطراف أو الرأس أو تضخم غير طبيعي في جزء من الجنين، وأكد أنه تم تشخيص نحو 10 حالات تشوه لأجنة دون رؤوس.

shareالخليل تسجل أرقامًا قياسية في تشوهات الأجنة التي تدفع النساء إلى إجهاض حملهن، فيما تعجز الأجهزة عن كشف بعض التشوهات خلال الحمل

وأفاد الطبيب الذي فضل عدم كشف هويته، أنه طالب عددًا كبيرًا من السيدات القيام بعمليات إجهاض لهذه الأسباب، مضيفًا، “هناك بعض التشوهات لا نستطيع كشفها إلا بعد الولادة مثل وجود أطفال بدون دماغ أو وجود خلل في العين أو فقدان السمع، لأنه يصعب اكتشافها من خلال جهاز التصوير التلفزيوني”.

وخلال تواجدنا في عيادة الطبيب التقينا بالسيدة “ع.ف” وهي شابة (21 عامًا) من الظاهرية، طلب منها الطبيب إجهاض حملها ثلاث مرات على التوالي بسبب تشوهات في الجنين. تقول: “لا أحد يهتم بحياتنا، نعاني جراء مخلفات الاحتلال، بينما يصر المسؤولون الفلسطينيون على التكتم على الأمر حفاظا على مصالحهم”.

وترفض وزارة البيئة الحديث في هذا الملف، “لتجنب إثارة القلق لدى الناس”، وفقا لتبرير مسؤول رفيع المستوى بالوزارة، الذي اكتفى بالقول إن نقص الأجهزة والمعدات يحول دون فحص نسب الإشعاع في المناطق القريبة من المستوطنات.

وأضاف المصدر، أن هناك محاولات لتوثيق قيام الاحتلال بدفن مواد كيميائية أو إشعاعية لإدانته ورفع قضايا ضده، موضحًا، أن السلطة الفلسطينية طلبت من الجانبين المصري والأردني التدخل لفحص نسب الإشعاع في فلسطين، دون أن يوضح رد الجانبين على الطلب.

وتشير معطيات إسرائيلية إلى أن مفاعل “ديمونا” الذي أقيم عام 1958 قد أنهى الفترة الزمنية التي أقيم على أساسها، وهي 30 عامًا، وقد أكدت وزارة البيئة الإسرائيلية، ولجنة الأمن والخارجية في الكنيست أنه “فقد عمره الزمني”.

NO COMMENTS